الأربعاء، 22 أبريل 2015

فى القطار




فى القطار


مررت ببخارست وأنا فى طريقى إلى سينايا .. أجمل المدائن الرومانية على الاطلاق ، وعدت إليها وأنا عائد من جورجو على الدانوب .. فبت فيها ليلة واحدة ، فى فندق متواضع يقرب من محطة الشمال ، وقمت مبكرا لأطوف بالمدينة قبل رحيلى عنها .. فمن العسير على المرء أن يمر بباريس الصغرى ، ولا يشاهدها مرة ومرات ، رغم جوها الحار فى الصيف .
ولما أقبل المساء ، كنت فى طريقى إلى المحطة ، لآخذ القطار إلى كونستنزا .. وكنت قد حجزت لى مقعدا ، ولهذا بلغت المحطة قبل قيام القطار بدقائق قليلة ، وكانت معى حقيبة واحدة ، أما باقى الحقائب فقد خلفتها عند صديق لى فى كارمن سيلفيا .. ولما أخذت مكانى فى القطار ، راعنى أن صاحب المكان المقابل لى يملأ الديوان بحقيبة ضخمة مكتظة .. فتصورته تاجرا من تجار الفراء ، أو مهراجا فى طريقه إلى الهند .
وعندما دق جرس القطار مؤذنا بالرحيل .. كان خادم العربة يفتح الديوان ، وينحنى مفسحا الطريق لسيدة فى لباس أسود ، وقبعة طويلة تكاد تحجب عنى بريق عينيها النجلاوين .. وملت إلى الوراء وشغلت نفسى بالنظر من النافذة إلى المحطة الجميلة ، وهى غاصة بالمسافرين إلى مختلف الجهات .. وإلى حركة القطارات فيها .. وعندما تحولت عن النافذة ، كانت السيدة التى ترافقنى فى السفر ، مضطجعة فى ركن من الديوان ، وقد فتحت كتابا .. ورفعت بصرى إليها ، ورأيت وجهها الدقيق وملامحها الساكنة ، والسواد الشديد الذى يبدو من عينيها ، وأدركت أنها رومانية أو بلغارية أو تركية ، فهذا الوجه بملامحه وسماته الشرقية ، لاتراه إلا فى هاتيك البلاد ..
وتحرك القطار ، وخلف وراءه تلك المدينة الساحرة تتلألأ بالنور ، وتدفق بالحياة .. وخفق قلبى .. فأنا أحمل لهذه المدينة فى أعماق نفسى أطيب الذكر .. وعلى الرغم من أننى مررت عليها أكثر من مرة ، ومكثت فيها أكثر من عام ، فما من مرة زرتها إلا وجدت فيها سحرا جديدا ، ولونا جديدا من ألوان الحياة ، فيه كل ما يسر النفس ويثلج الفؤاد ..
ولقد زرتها فى أول مرة ، وأنا فى حالة موئسة من التعاسة وخيبة الأمل ، فما رأيتها ، ورأيت ما فيها من جمال .. حتى غمرنى السرور ، وتفتحت نفسى لمباهج الحياة من جديد .. ولهذا شعرت ، عندما تحرك القطار ، بالأسى الذى يغمر النفس ، ويكرب الصدر ، ويبعث الحزن فى الفؤاد .. هل أعود إلى هذه البلاد ، وهذه المدينة ؟ .. هذا ما أرجوه من الله ، وأتمناه لنفسى ..
ملت عن النافذة ، وأغلقت عينى .. هل غفوت ؟ .. لا أدرى .. والنوم لايليق فى هذه الساعة ، وفى رفقة سيدة جميلة ..
أرسلت بصرى إلى السماء الزرقاء .. والقطار ينطلق كالسهم فى وادى الدانوب ، وقد سكنت حركة المسافرين ، وانقطعت أصواتهم .. ونظرت إلى هذه السيدة من جديد ، وبدا لى أنها نظرت إلىّ ، وملأت عينيها منى ، وأنا فى سباتى .. وكونت لنفسها فكرة عنى .. فكرة ما .. فما أسد نظر المرأة .. وعندما جاء مفتش التذاكر ، وحدثنى بالرومانية وجاوبته بالفرنسية التى لايعرفها ، ابتسمت السيدة ابتسامة خفيفة ولكنها لم تحاول انقاذى أو انقاذه ! فتركتنا فى ارتباكنا .. وانسحب الرجل ، وقد رأى أن ذلك خير ما يعمله ..! ولا زلت إلى هذه الساعة أجهل ما كان يريده .
وأشعلت المصباح الكهربائى الذى بجوارى ، وفتحت كتابا معى ، وكنت أرفع نظرى عن الكتاب إلى رفيقتى فى السفر ، بين حين وحين ..
وكان النور الهادىء قد زاد وجهها تألقا وفتنة .. وجعلنى أنجذب بكليتى نحوها .. يا الله .. إن حياتى كلها أسفار .. ولكم رأيت وجوه .. نساء من كل جنس ولون .. ولكن لم أشاهد وجها كهذا الوجه ، فى سكون ملامحه ، وروعة حسنه .. هل أبدأ بالحديث ؟ .. لا .. إن تجاربى علمتنى غير ذلك .. فالرجل الذى يفاجىء المرأة بالحديث ، دون مناسبة ، يسقط فى نظرها ، ويجعلها تدل عليه وتزهو .. ومع كل ، فما كنت رجل أحلام .. فما الذى أوده من مسافرة فى طريقها إلى زوجها أو بيتها أو مصيفها .. خمس ساعات فى القطار ، ثم يمضى كل لوجهه .. وما أكثر الوجوه التى نلتقى بها عرضا ، ثم تفترق إلى الأبد .. هل يمكن أن أكون أهدأ أعصابا ، وأنعم بالا ، لو كنت مسافرا فى الديوان وحدى ؟ .. ربما .. فأنا وحيد على الباخرة .. ووحيد فى القطار .. ووحيد فى الفندق .. بيد أن ذكريات قلبى جميعا تنشأ من هذه الوحدة .. وهل يمكن أن يظل رجل وامرأة فى سفر طويل كهذا دون أن يتحادثا ؟ّ..
تراجعت إلى الوراء ، وطويت الكتاب .. وكانت سحب الصيف الخفيفة قد انتشرت فى رقعة السماء ، وبدا القمر من خلالها يتسحب ، ووادى الدانوب مخضر بالزرع ، يانع بالنبت ، يزهو ويميد !
كانت الطبيعة سافرة فى أروع صورها .. وكان القطار يطوى المدائن الصغيرة ، والقرى المزهرة على ضفاف النهر ، بمنازلها البيضاء الصغيرة ، وسقوفها المحدودبة ، وكنت أرى على ضوء القمر ، عند سفوح بعض التلال البعيدة ، قطعانا من البقر وحولها الفرسان بملابسهم الوطنية الزاهية .. ثم يمضى القطار ويطوى هذه المناظر طيا ! انثنيت عن النافذة وأنا اتنهد .. أسفت على هذه المناظر الجميلة التى أطويها من صفحة حياتى ، وقد لا أراها مرة أخرى ، وقد تنمحى صورتها من ذهنى .. من يدرى ؟..
كانت رفيقتى فى السفر قد استراحت فى ركن من العربة ، وأغلقت عينيها ..
رأيت هذه الأهداب الوطف ، تسبل على هاتين العينين الساجيتين .. وهذا الأنف الدقيق ، يتنفس فى هدوء .. وهذا الشعر الغزير الفحم ينسدل على الجبين .. وهذا الجسم الممشوق يسترخى ، ويستقبل نسمات المساء اللينة فى كسل ظاهر .. كانت قد تركت جسمها يتمدد على حريته ، وحد طاقته .. دون أن تقيد نفسها بوجودى .. وكان القمر كلما تخلص من السحاب ، أراق ضوءه الفضى على وجهها ، فضرج وجناته ، وعلى شعرها فذهب حواشيه !
وخفت سرعة القطار .. وأخذت السيدة تتحرك .. حركت ساقيها ، ومالت بجسمها إلى الخلف ، ووقف القطار على احدى المحطات فسألتنى :
ـ أهذه ت ..؟
ـ آسف يا سيدتى .. لا أعرف .. أنا غريب عن هذه البلاد
وكأنها أدركت حالها فزمت شفتيها .. ربما كانت تحلم ، وفتحت عينيها ، وهى تحسبنى زوجها أو رفيقها .. فلما أدركت أنها فى القطار وفى رفقة رجل غريب ، عادت إلى صمتها .
وكان القطار قد تحرك ، وعاد السهوم إلى وجهها ، فقلت وقد أردت أن أزيل عن ذهنها ما كانت تفكر فيه :
ـ كل المحطات صغيرة ومتشابهة ..
فمدت رأسها إلى الأمام قليلا ، وقالت :
ـ أجل .. ولكنها جميلة ..
ثم سألت وهى تشير إلى النافذة :
ـ هل عشت فى بعض هذه القرى الصغيرة على الدانوب ؟.. انها آية من آيات الجمال .. لقد مضيت هناك شهرا كاملا ..
ـ لم أحظ بهذا النعيم بعد .. ولكننى أفكر فى ذلك ..
ـ هل ستعود إلى هذه البلاد مرة أخرى ؟..
ـ بالطبع .. كلما استطعت إلى ذلك سبيلا ..
ـ وهل أنت فى طريقك إلى الآستانة ؟..
ـ إلى أبعد من ذلك ..
ـ إلى أين .. ؟
ـ إلى القاهرة ..
ـ فكرت فى هذا ..
ـ كيف ؟..
ـ من هناك يجىء أمثالك من الرجال .. صمت .. وحزن .. وهدوء الصحراء ..
ـ هذا حق ..
ـ هل أنت ذاهبة إلى كونستنزا ؟..
ـ أجل .. لبضعة أيام .. اعتدت على ذلك فى الصيف من كل عام ..
ـ وقادمة من بودابست ؟..
ـ أجل من بودابست ..
وأضافت :
ـ كنت أشاهد معرضها للصور ..
ونظرت إليها نظرة طويلة !
فسألتنى :
ـ لماذا تنظر إلىّ هكذا ..؟
ـ آسف يا سيدتى .. لا أستطيع أن أجيب .. فقد يكون فى جوابى بعض القحة ..
فأخذت تضحك ولانت ملامح وجهها جدا ، ورأيت على وجهها شعور الإيناس ، وفى عينيها السرور المحض
ـ هل شاهدت الشرق ..؟
ـ أبدا .. أود ذلك ..
ـ هل قرأت كثيرا عن الشرق ..؟
ـ أجل .. قرأت كثيرا .. قرأت تاريخ العرب ..
ـ كان العرب عظماء فى حياتهم ومماتهم .. وقد حرمنا فى كثير من الأوقات حتى من لذة الذكرى .. وفى هذا بعض الشجن ..
ـ هذا صحيح ..
ـ هل يضايقك تيار الهواء ..؟
ـ أبدا دعنى أملأ رئتى من نسيم الليل ..
ـ إن السفر عندى هو خير متع المسافر ..
ـ هل سافرت كثيرا ..؟
ـ رأيت نصف العالم تقريبا ..
ـ وتود أن ترى نصفه الآخر ..؟
ـ لا .. لا .. لقد اكتفيت بما رأيت .. نفس الوجوه .. نفس المشاعر .. ونفس الحماقات .. فى كل مكان .. واعذرينى إذا قلت ونفس النساء أيضا ..
ـ تكلم كما تحب ..!
ـ هل قرأت شيئا جديدا فى التاريخ ..؟
ـ أبدا .. كل شىء يتكرر ، فقط تتضخم الصور ..
ـ آسف لقد أثقلت عليك .. هل تشعرين بجوع ! هل تسمحين بأن تتناولى معى قليلا من الجعة ..؟
ـ أشكرك لا أشعر بجوع ..!
ـ ولكنك عطشى .. ولن أتركك وحدك .. لابد من مرافقتى !
فضحكت ، ونهضت معى إلى عربة الطعام .. وكانت خالية إلا من بعض المسافرين ، تناثروا فى أركانها ..
ـ لن تشاهد فى هذه العربات أناسا بلباس السهرة ، كما تشاهد فى بعض البلاد الأخرى .. ليس من بين هؤلاء الناس من يضيع عمره فى حياة متكلفة بغيضة .. كلها مظاهر كاذبة !
وعلى الرغم من أننى كنت قد تعشيت فى بخارست ، فإنى أكلت .. وأكلت كثيرا .. وأكلت السيدة أيضا ، وشربت من الجعة .. أكثر مما شربت ! وتضرجت وجنتاها ، وازداد احمرار شفتيها ..
ولما عدنا إلى مكاننا من الديوان كنا أصدقاء ..
***
وبلغ القطار كونستنزا مع الصبح ، وكنت أود أن أنزل فيها ، ولكن السيدة أشارت علىّ بالنزول فى فندق هادىء فى ايفوريا فقبلت مشورتها .. وبقينا فى العربة التى ستلحق بقطار آخر يسافر إلى ايفوريا بعد دقائق قليلة ..
وبلغنا ايفوريا والشمس ترسل أول أشعتها الصفراء على تلك المدينة الصغيرة المتألقة على ساحل البحر .. ونزلنا فى الفندق ، وكانت غرفتى مجاورة لغرفتها ..
ونمت واستيقظت قبل الظهر .. ووجدتها جالسة فى شرفة الفندق الكبيرة ..
وابتدرتها بسؤالى :
ـ أنمت ..؟
ـ بعض الوقت .. فأنا لا أحب النوم فى النهار مطلقا ..
ونهضنا لنتغدى على مائدة صغيرة تطل على البحر .. وليس فى فنادق الدنيا جمعاء ، فندق يماثل هذا الفندق فى جماله وروعته .. فهو يقوم على هضبة عالية ، ويطل من جهاته الثلاث على البحر ، وتشرف جهته الرابعة على بروج ايفوريا الخضراء ، وحدائقها الناضرة ، فلا تطل منه فى أى ساعة من ساعات النهار إلا على أبدع منظر .. فإذا ما أسدل الليل أستاره ، خلته سفينة ضخمة عائمة فى المحيط ، وقد أحاط بها الجمال من كل جانب ..
وفى الأصيل نزلنا من الفندق إلى سيف البحر .. وكانت الشمس ترقص على صفحة الماء .. وبدت الطبيعة فى أحسن حللها ، وأبدع مناظرها ..
ـ هل تستحمين ..؟
فرفعت إلىّ وجها لونه الخفر ، وقالت :
ـ كنت أحب ذلك فى طفولتى .. أما الآن فأنا أرهب البحر .. أحب أن أشاهده من بعيد ..
ـ ولكنك ستستحمين يوما ما ..
ـ ربما .. ولكن ليس اليوم ..
وانحدرت الشمس ، وغاب قرصها فى الماء .. وبدت الزوارق الشراعية الصغيرة تتجه نحو الشاطىء .. وأخذ المستحمون يخرجون من البحر .. وغصت طرق ايفوريا بهم .. واتخذوا طريقهم إلى الفيلات الصغيرة المتناثرة فى رقعة الهضبة ..
ولما هبط الظلام ، صعدت مع السيدة إلى الفندق ..
***
كان الليل فى هزيعه الأول ، والريح رخاء والهواء منعشا .. وكان الظلام سادلا أستاره ، والقمر لم يطلع بعد .. وكان البحر على مدى أذرع قليلة منا ، هادىء الصفحة ، مصقول الأديم ..
وجلست بجوارها على كرسى طويل ، فى الشرفة الكبيرة التى تدور بالجوانب الثلاثة المشرفة على البحر .. وكان هناك بعض النزلاء جالسين عن قرب منا .. ولكنا لم نكن نسمع لهم حسا .. كان كل شىء يبعث على السكون والتأمل ، ويفتح آفاق النفس .. ونظرت إليها فإذا نظرها عالق بالبحر .. وقد علاها بعض السهوم .. لعلها كانت تسترجع الساعات التى دفعت بها إلى هذا المكان دفعا .. لقد مضى كل شىء سريعا ، ولم يستطع واحد منا أن يفترق عن الآخر ..
لقد كانت جالسة لأول مرة ، فى أول فندق نزلنا فيه بعد رحلة القطار ، وكأنها تجالس انسانا عرفته منذ فجر حياتها .. لقد أصبحنا بين عشية وضحاها عاشقين متيمين ..
وتعشينا عشاء خفيفا .. وشربت كثيرا ، وتمشينا قليلا فى الشرفة .. ثم سرت معها إلى باب غرفتها .. وشددت على يدها فى حرارة ..
***
واضطجعت على السرير ، ونظرى مسدد إلى الباب الذى يفصل غرفتى عن غرفتها .. كان هذا الباب موصدا .. وكانت غرفتها لاتزال مضيئة ، فهى لم تنم بعد .. ولعلها تطالع قبل نومها .. تناولت مجلة مصورة ، وأخذت أقلب البصر فيها .. ولكن نظرى كان يعود بين الفينة والفينة ، ويستقر على الباب .. وطويت الصحيفة ، ووضعت يدى على رأسى .. ونظرت إلى الساعة فى يدى .. لقد أزفت الساعة الأولى بعد منتصف الليل .. فهل يمكن أن تظل ساهرة هكذا إلى الصباح ؟! ما الذى تفكر فيه الآن ؟ هل كانت حماقة أن أطلب لكل واحد منا غرفة مستقلة ؟! ..
ونزلت من فوق السرير ، وأخذت أتمشى فى أرض الغرفة ، وأنا حافى القدمين ! وكنت أمر على الباب وأكاد التصق به .. ووضعت أذنى عليه وتسمعت .. لم أسمع حسا ولا حركة ، انها مستغرقة فى النوم .. ودارت يدى حول الباب فى الظلام .. وكنت قد أطفأت النور .. فوجدت مزلاجا من ناحيتى فأزحته .. وعالجت الأكرة فانفرج الباب قليلا .. فأعدت اغلاقه بهدوء .. وتراجعت إلى الوراء ، وقلبى يزداد خفقاته ، وتشتد ضرباته .. واتجهت إلى السرير .. هل أنام ؟.. وهلا تعد حماقة منى أن أدع هذا الجمال يفلت من يدى .. وربما إلى الأبد !..
ومشيت إلى النافذة ، والليل قد نشر غياهبه ، والبحر من تحتى يرغى ويزبد .. وعوت الرياح .. وتحركت الستر على النوافذ .. وتطلعت إلى السماء .. إلى أسرار الليل .. وأسرار النجوم البراقة ، فى الليل الموحش ، وأخذت أتأمل وأفكر .. هل أظل هكذا مضعضع الحواس ، مضطرب القلب ، قلق النفس ، حائر الفؤاد ؟.. وهى على أذرع قليلة منى ، وفى ملك يدى !.. وما من قوة ستجعلها ترفض .. وما من شىء سيجعلها تقول لا .. لماذا لاتفكر هى فيما أفكر فيه الآن .. ما أشقى الإنسان ، وما أشد عذابه !..
تطلعت إلى السماء .. ونظرت إلى الماء .. وكان الظلام ناشرا أستاره .. وكانت هناك سفن تعبر البحر الأسود .. وأنوارها تتراقص على الماء .. وكان الخليج الذى يقوم عليه الفندق قد اشتد موجه وصفق .. وعادت الطبيعة تزمجر كأننا فى الشتاء .. ولذ لى المنظر وأخذ بلبى ومجامع قلبى .. فأنا أحب السكون فى كل شىء إلا فى الطبيعة ، التى لا تبدو على فتنتها إلا وهى صاخبة ثائرة ..
ولقد انثنيت عن النافذة ، وأنا أفكر فى هذه الفتاة .. وعدت إلى السرير ، وأنا لا أزال محيرا ملتاعا .. وبعد طول عذاب وتفكير ، رددت نفسى عن غيها ، وأخذنى النعاس ..
***
ونهضت من فراشى قبل أن تطلع الشمس .. وجاءت لى الوصيفة بالقهوة ، وحييتها تحية الصباح ، وسألتها :
ـ هل صحت الماظ هانم ..؟
ـ صحت ..! وهل نامت حتى تصحو ؟.. إنها ساهرة طول الليل ترسم ..
ـ ترسم ..؟
ـ أجل .. تعال إلى هنا وانظر ..
وتقدمت نحو النافذة المطلة على البحر .. ورأيت الماظ هانم ، جالسة ومكبة على لوحة كبيرة ، وكان ظهرها إلينا ووجهها إلى الخليج .. وكانت ترسم فى استغراق وسكون .. وترفع بصرها ، ثم ترتد به إلى اللوحة ، وفرشاتها تتحرك بين أناملها الرقيقة .. ما أجملها فى جلستها هذه .. وما أروع ما يحيط بها من مناظر ..
لقد أدركت الآن لماذا كانت ساهرة طول الليل ، ولماذا تسافر ومعها هذه الحقيبة الضخمة .. إنها ترسم فى كل مكان تنزل فيه ، وحقيبتها ملآى بمثل هذه اللوحات .. قد تكون فقيرة ووحيدة تعيش من هذا العمل ، ولكنها غنية بفنها ..
نقرت على زجاج النافذة فسمعتنى ، وتلفتت فرأتنى .. فاحمر وجهها قليلا وقالت :
ـ صحوت ..؟
ـ منذ مدة .. ولى ساعة وأنا أنظر إليك من هذا المكان ..
ـ ولم أحس بك !..
ـ أجل ..
ـ تلك مصيبة الفن على الحواس .. تعال وانظر .. إنى أرسمك ..!
وذهبت إليها ، وجلست بجوارها .. وكانت ترسم طلوع الفجر على الخليج ، ومن ورائه الربى والمروج .. وكان المنظر فى بدايته ، ولكنه كان يشعر الناظر ببراعة اليد التى رسمته ..
فقلت لها ، وأنا أنظر إلى أناملها الدقيقة :
ـ أهنئك .. إن هذا رائع ..
ـ اشكرك .. الروعة فى هذا الجمال الذى تراه حولك ..
ـ لابد أنك رسمت كثيرا من مناظر البسفور ، ما دمت شغوفة بجمال الطبيعة إلى هذا الحد ..
ـ البسفور .. هذا سحر آخر .. ولقد عشت بين رياضه .. وأنا أرسم مناظره فى كل مكان ، لأنها منقوشة فى ذاكرتى .. وقد بعت لوحتين فى بودابست أثناء رحلتى هذه .. وسأريك بعض ما بقى فى الحقيبة ..
ـ إن من لايرى البسفور لايرى الجنة ..
ـ هذا أحسن اطراء سمعته ..
ـ أنا أقول الحقيقة .. بل وأقل من الحقيقة ، وما رأيت منظرا يأخذ بلب المسافر كالبسفور .. وأتمنى على الله أن ينتهى بى المطاف إلى هناك .. وهناك أقيم إلى نهاية حياتى ، وهناك أرقد .. وليكن آخر منظر أراه هو قباب أيا صوفيا ، وهى تدور مع الشمس ..
ـ ها هى الشمس قد طلعت .. فاذهب إلى الشاطىء قبل أن يزدحم بالمصيفين .. وعندما تعود ، سأكون قد ارتديت ملابس الخروج ، وسنذهب إلى كونستنزا ..
ـ ألا تنزلين معى إلى البحر ..؟
ـ ليس الآن .. أنا متعبة جدا .. وسأستحم معك فى الأصيل ..
وقبلت يدها ونزلت إلى الشاطىء ..
***
وذهبنا إلى كونستنزا ، ورجعنا إلى الفندق بعد الظهر فتغدينا .. وتركتها لتستريح ، فقد كان النوم يداعب أجفانها .. وأيقظتها قبل الغروب بقليل .. وكانت لاتزال تشعر بتعب ، ولم تأخذ قسطها من النوم .. ونزلنا إلى البحر ، وطلعنا منه بعد أن هبط الغسق ..
ولاحظت على العشاء أن وجهها شاحب قليلا .. فأمسكت بيدها ، فإذا بها شديدة البرودة .. وجلسنا بعد العشاء نستمع للموسيقى ، وكانت هناك فرقة رباعية من فينا .. وكانت تستمع فى سكون ، ووجهها لايزال شاحبا ، ومن عينيها يبدو التعب الشديد ، فقلت لها :
ـ يجب أن تستريحى يا الماظ ..
فحولت وجهها إلىّ ، وقالت فى هدوء :
ـ أجل يا مراد .. فأنا أشعر ببرودة شديدة ..
واعتمدت على ساعدى ، ومشينا إلى غرفتها .. وفى منتصف الطريق لم تقو على السير .. وسقطت بين ذراعى ، وحملتها إلى سريرها .. وجاءت إلزا ورفيقتها لندا ، الوصيفتان فى هذا الجناح من الفندق .. وتركتهما معها ليغيرا ملابسها .. وعدت إليها بعد قليل .. وطلبت من إلزا أن تتصل بأى طبيب فى المدينة .. فسمعتنى ألماظ وأشارت إلىّ بيدها ، فاقتربت منها ، ووضعت وجهى على الفراش .. وهمست فى صوت متقطع :
ـ إننى بخير .. وقد مرت النوبة .. بسلام ..
وبقيت بجوارها ، وأنا شاعر بتعاسة مرة .. فأنا الذى حببت لها الاستحمام فى تلك الساعة .. وهى منهوكة القوى ، بعد سهر الليل بطوله فأثر ذلك على قلبها ..
وظلت ساهرة .. وبعد منتصف الليل نامت .. وأخذت أنظر إلى وجهها وهى تتنفس فى هدوء .. وإلى جسمها وقد لف فى الأغطية ..
فى الليلة الماضية .. تحت تأثير الخمر وتعب الأعصاب من السفر الطويل .. وتحت تأثير كل ما طاف فى رأسى من فكر .. ودار من هواجس .. اشتهيت هذا الجسم .. وتمنيت أن يكون لى ساعة من الزمان .. وهو الآن فى متناول يدى .. وأراه بجميع تقاطيعه وكل محاسنة .. وأضع يدى على صدرها ، وألمس ذراعها العارية ، وأنا أضم إليها الأغطية ، وأعطيها بعض المقويات .. ومع كل ذلك فشعورى الليلة غير شعورى بالأمس .. فقد سكنت ثورة العاصفة التى كانت تشتعل فى جسمى فى الليلة الماضية .. ولازمنى الليلة إحساس جديد ، فيه روحانية جارفة .. ألأنها مريضة ؟.. ألأنى أدركت سمو نفسها ؟.. ألأن صلتى بها قد توثقت واشتدت عن ذى قبل ؟ لم أكن أدرى ..
***
فتحت عينيها فى الثلث الأخير من الليل ، فرأت أنى ما زلت ساهرا ..
فقالت وهى ترتفع بجسمها قليلا :
ـ ألا تزال ساهرا ؟.. يكفيك إلى هذه الساعة ، واسترح الآن ..
ـ لن أدعك وحدك ..
ـ لن تتركنى وحدى ؟!..
ـ أبدا ..
ـ أبدا .. ؟
وأخذت أمسح بيدى على جبينها ، وألمس شعرها ، فنظرت إلىّ نظرة متكسرة فيها كل إحساسات قلبها ، وقالت وهى تحرك أناملها :
ـ أعطنى هذا المشط .. وافتح الدرج الذى تحته ، وستجد صورة مغلفة فهاتها ..
وفتحت الدرج ، وتناولت المشط .. ورجلت شعرها .. وفضت غلاف الصورة وهى تبتسم .. كانت صورتى وأنا فى القطار ..
نظرت إلى الصورة ، وأغمضت عينى .. شعرت بسعادة لاحد لها ، وخيل إلىّ أننى أسبح فى طبقات الأثير ..
وسمعتها تقول :
ـ هل استطعت أن أرسم عينيك .. وهما تلتهمان الكتاب ، وتغفلان عنى ..!
وضحكت ، وتناولت يدها .. فغمغمت :
ـ لن أدعك تتعذب ليلة أخرى .. فقد أحسست بك أمس .. وأنت تدور فى غرفتك !..
وشعرت بالخجل ، فنظرت إلىّ فى رقة وأضافت :
وسنذهب فى الصباح إلى كارمن سلفيا .. وسنعيش هناك إلى نهاية الصيف .. وسأطلق الرسم ما دمت معك .. وسنرجع إلى استانبول .. وسترى البسفور مرة أخرى وأنت معى .. وسنعيش فى هذا الفردوس إلى نهاية حياتنا ..
================================
نشرت القصة فى مجموعة قصص لمحمود البدوى بعنوان " الذئاب الجائعة " فى عام1944
================================



النفوس المعذبة



النفوس المعذبة

     أنا أحد أولئك التعساء الذين اضطرتهم ظروف حياتهم إلى العيش فى الريف ، بعد أن قضوا جانبا من شبابهم فى المدينة ، ناعمين بلذائذ الحضر ومتعه .. لقد خلفت ورائى العلم والنور لأعيش فى جحيم الريف بظلامه وجهله ، هكذا شاءت الظروف وشاء القدر .. وليس أسفى على شباب ولى ، وعمر أدبر ، بقدر أسفى على أن السنين العشرين التى قضيتها من عمرى فى القرية ، مرت على منوال رتيب بغيض معذب .. لم يتغير شيء ولم يتبدل ، نفس الوجوه الكالحة الحزينة ، والأبدان الناحلة المريضة ، والنفوس المعذبة الشقية .. كل شيء لم يتغير .. الأكواخ الحقيرة القذرة تتناثر فى بطن الوادى كما تتناثر القبور عند سفح الجبل .. ولها مثل صمتها ووحشتها .. ولولا رغاء البهائم فى الغسق ، وعواء الكلاب فى الليل ، وصياح الديكة عند الفجر ، لخلتها مقبرة من المقابر .. إنها صورة باهتة لرسام مكتئب فقد فى الحياة كل أمل ..
       وزادنى بلاء وكربا موت زوجى ، وكانت أنيسى ورفيقى فى القرية ، فشعرت بعدها بالوحشة والانقباض والضجر ، ولهذا كنت أروح عن نفسى ، فازور أخى فى المدينة ، وكان مهندسا فى القاهرة ..
       بلغت منزل أخى ، فى تلك الليلة التى أروى لك حوادثها ، فى الساعة الثامنة مساء ، مع آخر مسافر اتجه إلى العباسية ، فقد أمرت الحوذى أن يأخذ بعنان جواده ، لأمتع بصرى بأنوار القاهرة ومحاسنها ..
       جلست فى بهو المنزل أنفض عنى غبار السفر ، وأستريح قليلا .. وملت بأذنى إلى حيث تقيم الزوجة .. زوجة أخى .. التى كانت تستقبلنى دائما بفتور المدنية التى تنظر إلى الريفى فى احتقار وتقزز ، على الرغم من كل ما كنت أحمله معى من هدايا ونعم .. وكانت تقول لزوجها ، إنها تشتم رائحة الدريس كلما اقتربت منى ..! ولهذا تود لو تنفضنى بالمكنسة ..! وصحيح أننى كنت أبصق احيانا على الأرض ، وأحول دورة المياة إلى بركة أسنة ، ولكنى كنت مع ذلك أفنديا مهذبا من طراز لا بأس به ..!  وكنت أعجب غاية العجب لنفورها الشديد منى ، ورفع أنفها فى السماء كلما التقت بى ، كأنى أجرب أو مجذوم أو مقطوع الأنف ..؟ وكأنها هابطة من السماء ..! وكنت أبادلها عواطفها .. احتقرها ، وأنفر جدًا من الأحمر الصارخ الذى تلطخ به شفتيها وخديها ، وتلوث به أظافرها .. وأنظر إلى أصابعها ، وهى جالسة إلى مائدة الطعام ، وأعجب ، وأسائل نفسى كيف تسوغ لنفسها الأكل معنا ..؟ ومن عجب أنه على الرغم من كل ذلك ، وما كان بينى وبينها من نفور واحتقار متبادلين ، فقد كانت تتجمل أمامى وتتصنع ، وتبدى زينتها ما خفى منها وما ظهر ، وكنت كريفى ساذج أجهل السبب ، ولا أعرف أن المرأة المتفرنجة تبدى زينتها دائما لغير بعلها ..!
       عجبت للصمت الذى خيم على المنزل .. بيد أنى سمعت بعد دقائق إسماعيل يتحدث فى المطبخ .. ولم يكن يحادث نفسه بالطبع ، على الرغم من أن هذا يحدث له كثيرًا ! .. وأنصت .. فسمعت صوتا ناعما متكسر النبرات .. صوت إمرأة .. ولكنه ليس بصوت إحسان هانم .. هل تزوج أخى مرة رابعة ، وطلق هذه المرأة الملعونة ..؟ لله الحمد ..
       تنفست الصعداء ..! وصفقت هاتفا بإسماعيل .. صفقت كما لو كنت أصفق فى بيتى فى القرية ، ونسيت الجرس الكهربائى المتدلى ، الذى كانت إحسان هانم تأمرنى باستعماله ، كلما عنت لى حاجة ، وطلبت الخدم .. وكانت تقول الخدم دائما ، مع أنه ليس فى بيتها إلا خادم أعرج أبله .. فما من إنسان يستطيع الصبر على خدمتها .. وكانت تقول دائما إن الخدم يجلبون معهم القذارة من السوق ..!
       صفقت مرة ثانية .. وجاء إسماعيل يطلع .. فسألته عن سيده فأخبرنى بأنه سافر مع الست إلى الإسكندرية ، لأن والدة الست ماتت ..! وعلى الرغم من أن المرحومة ظلت عشرين عاما تنعتنى بأقبح النعوت ، وتقول لزوج ابنتها إنى مستول على الإرث كله ، وآكله فى بطنى ..! ولا أدع لإخوتى شيئا ، ولا أعينهم بسحتوت .. فإنى قرأت الفاتحة على روحها .. وطلبت من الله أن يسكنها فسيح جناته ..! والواقع أن الجفاء بينى وبين المرحومة بدأ فى الوقت الذى يئست فيه نهائيا من زواج ابنتها الصغرى منى ، بعد أن تزوج أخى بإحسان هانم – كما كانت تنعت نفسها دائما ـ  أخذت المرحومة بعد زواج أخى ترمى حولى الشباك لتوقعنى فى المصيدة ، كما صادت أخى .. ولكنى كنت أبرع من أن أقع فى الفخ .. فأفلت من يدها .. وظلت بعد ذلك عشرين عاما تطلق لسانها الطويل فى وتقبح زوجى المسكينة ، وتحث أخى على أن ينفصل .. ويدير شؤونه بنفسه .. ولكنه كان أضعف من أن يفعل ذلك ..!  اضطجعت على الكرسي ، وأنا أفكر فى القطار الذى سيقلنى إلى الإسكندرية لأعزى .. وشعرت ببعض الكآبة لأننى سأضيع يوما من أيام تنزهى فيما لا يجدى ..! وسمعت حركة أقدام خفيفة .. ووقفت أمامى فتاة فى ثوب أبيض .. تقدم لى القهوة .. ورفعت عينى إلى وجهها الجميل .. نظرت إليها نصف دقيقة كاملة ، وفمى مفتوح من الدهش .. سبحان الخالق العظيم .. تناولت قدح القهوة من الفتاة ، ووددت لو أتناول يدها لأشد عليها بحرارة ، أو أقبلها كما يفعل الحضرى تمامًا ..
       وسألتها ، وعيناى تلتهمان وجهها المضطرم خجلا :
       - مصرية يا بنيتى ..؟
       - أيوه .. يا سيدى ..
       وتراجعت إلى الوراء خطوتين ومدت قامتها ، وعيناها تلمعان من خلال أهدابها الغزار ..
       وأخذت أحتسى القهوة على مهل وأفكر .. وأسائل نفسى .. هل الفتاة ، وهى آية من آيات الله فيما صور من حسن ، وصيفة ..؟ خادم .. لتلك المرأة الورهاء الدميمة .. التى لا أشبهها إلا بعود الذرة ، فى يبسها وتعرى عظامها من اللحم ..! هل هذه خادم لزوج أخى ..! يالسخرية الحياة .. ويالقسوة المجتمع ..
       ناولت الفتاة القدح الفارغ شاكرا ممتنا ومشيت إلى غرفة سيدها لأخلع ملابس السفر .. ولقد كنت دائما أنام فى هذه الغرفة كلما زرت القاهرة ، لأبين لإحسان هانم مبلغ سطوتى على زوجها ..!
       وعدت إلى مكانى فى البهو .. والفتاة واقفة أمامى .. تؤنسنى بحديثها العذب .. وعلمت منها أن لها شهورا ثلاثة فى المنزل .. وأن سيدها طيب بعكس سيدتها .. وأنها لولا سيدها لغادرت المنزل من أول ليلة .. وكانت تتبسط معى فى الحديث وتسمينى بالسيد الكبير ..! وفهمت من حديثها أنها تعرف الكثير عنى .. فكلما جاءتهم صفيحة من السمن .. عرفت مرسلها .. عرفت أنها من سيدها الكبير فى القرية ..!
       وتعشيت وخرجت إلى ملهى فى قلب المدينة .. وصورة الفتاة حورية – كما كان يسميها إسماعيل – لم تزايل مخيلتى ..
***
       كان الليل فى أخرياته عندما فتحت لى الفتاة الباب .. فقد بقيت ساهرة تنتظرنى .. ونام إسماعيل فى غرفته فى السطح .. وشكرت الفتاة على تعبها وتحملها مشقة السهر لأجلى .. وشعرت بعد وقت قصير بالسكون المطلق .. هدوء الصحراء .. فلا همس ولا حس .. فأنا وحيد مع حورية فى المنزل .. بل وحيد معها فى شرق العباسية كلها ، بل فى الصحراء جمعاء ..
       جلست على كرسى طويل ذى ذراعين ، والفتاة معتمدة براحتها على خوان للملابس .. تحادثنى ، وهى فى لباس أزرق مطرز الأطراف .. وشعرت بسعادة لا توصف ، ونسيت الريف بظلامه ووحشته .. وأدركت أن النعيم المقيم فى هذا المنزل .. وظلت الفتاة تحادثنى إلى أن قرأت النوم فى عينى .. فحيتنى وانصرفت إلى غرفتها ..
       واستيقظت مبكرا فى صباح اليوم التالى .. على رنين الجرس وهو يدوى فى إزعاج ، وقامت الخادم مذعورة .. وفتحت الباب فإذا به أخى وزوجه ، وقد أقصرا وعادا من السفر .. يالله .. شعرت بقلبى يغوص فى قدمى عندما وقع نظرى على هذه المرأة ..!
       حيتنى فى فتور ، وعيناها ترميانى بالنظر الشزر .. على الرغم من أنها تلبس السواد وتتظاهر بالحزن .. فلو كانت حزينة لكسر الحزن من حدتها .. ولكنها لم تكن أمامى إلا نمرا أرقط ..!
       وأفطرنا .. وراعنى وأفزعنى .. أنها ظلت طول وقت الطعام ترمى الخادم المسكينة بقذائف من الشتائم البذيئة .. والبنت الفاضلة لا ترد عليها ، بل تخفض بصرها فى صمت وألم ظاهرين ..
       واستمرت هذه المعركة من الشتائم الوقحة .. طول مدة وجودى معهم ، وكانت تتعلل بأتفه الأشياء لتثير عاصفة فى المنزل .. فإذا أصاب السيدة المصون صداع .. فحورية هى السبب ..!  وإذا توعك مزاجها .. فهى السبب أيضا .. وهكذا ..! والويل لها إذا كسر طبق ، أو تهشمت إحدى الأوانى الزجاجية .. فإلى الجحيم هى ومن جاء بها ، ولا سبب لهذا العراك المستمر .. هذا العراك الأبدى .. سوى أن السيدة قبيحة دميمة .. والخادم جميلة فاتنة .. هذا هو السبب ، ومن الغريب أن أخى النطع ..! – وقد كان نطعا على الرغم من أنه كان مهندسا بارعا – لم يدرك سر هذه المعركة .. ولم يحاول أن يدافع عن هذه النفس المعذبة بكلمة .. وكان إذا استفحل الأمر ، وانقلبت الشتائم البذئية إلى ضربات موجعة .. رأيته يفتح فمه ، فأنظر إليه بجانب عينى لأحميه على الكلام والتدخل .. ولكنى أراه يفتح فمه كالأبلة ، ولا ينبس ، ثم يأخذ وجهه فى الإصفرار ..! ولاشك أنه أحب هذه النفس المعذبة ، وهو الذى جاء بها .. وكان يعيدها كلما طردت ليمتع نظره بها .. ويخفف عن نفسه بعض ما يعانيه من زوجه ..!
       نظرت إلى الفتاة المسكينة فى حسرة ، وأخذت أسائل نفسى ، كيف أنقذها من هذا البلاء .. وهب أنها خرجت من هذا المنزل ، فمن المحتمل جدًا أنها تقع فى براثن نمرة أخرى كهذه ، أو ذئب من الرجال فيفترسها ناضجة .. ماذا أعمل لإنقاذها .. وليغفر لى الله ما تقدم من ذنبى وما تأخر ! .. لماذا لا آخذها معى إلى القرية .. ومثلها من يؤنسنى فى وحشتى ، ويجعل الريف فى عينى جنة ..
       وفكرت طويلا فى الأمر .. وأفضيت إلى أخى بما استقر عليه رأيى ، فنظر إلىّ ضاحكا وحسبنى أمزح .. فلما تبين أن الأمر جد ، عاد إلى بلاهته ودهشه ، وفتح فمه وصمت ..!
       ورأيت أن يتم القران فى بيت أخى لتموت زوجته من الكمد ..! وفى المساء تم العقد .. وظلت زوجة أخى محتبسة فى غرفتها تتميز من الغيظ .. أما حورية فقد كانت فى حفل من الزينة .. كانت فى جمالها وفتنتها كأنها حورية من الجنة ..!!
ــــــــــــــــــــــــــ 
نشرت القصة فى كتاب " الذئاب الجائعة " سنة 1944
ــــــــــــــــــــــــــ

رجل مريض



رجل مريض

       عرفت توفيقا أفندى من عهد الحداثة ، وكان رجلا حائراً ، دمث الطباع ، لين الجانب إلى حد الخور .. ولهذا ظل فى الأرض على غير هدى ولا أمل ، ويعيش على هامش الحياة أبدًا .. وساءت حاله ورق عيشه على مر السنين ، إذ لم يكن يستطيع أن يؤدى عملا بعينه ، حتى على أضعف وجه .! فكان أبدًا برما بالحياة قلقاً نزاعا إلى القنوط ، يتصور أن العالم كله يحاربه فى رزقه ، وأن شياطين الأرض ، وملائكة السماء تتعاون على سحقه ..! .. اشتغل مدة من الزمن مدرسا فى مدرسة أهلية ، ثم اجتوى هذا العمل بعد أن تبين أن عليه أن يستيقظ كل صباح قبل السادسة ..! وعمل فى إحدى الصحف اليومية ، ثم رأى أن هذا العمل يستغرق جل نهاره ، وبعض ليله ، فنفض يده منه ، وركن إلى الدعة ، وعاد يتشرد ..! وثبت فى إحدى المكتبات العامة ، وكان هذا العمل منتهى مناه ، على أن القلق كان دائما ينزع به إلى التمرد ، فترك هذا العمل وفى نفسه حسرات .. وسمعت بعد ذلك أنه لم يزاول عملا بعينه ، وأنه ظل كالطائر المهيض الجناح ، يزحف على ساقيه كلما شعر بحاجة بطنه إلى الطعام ..
       وكان قد تزوج منذ عامين ، ودفعه الزواج فى أول الأمر إلى النشاط والحمية .. ثم فاء إلى نفسه وطبعه وعاد يتبطل ..!
       وكان يزورنى فى منزلى الصغير فى ضاحية من ضواحى القاهرة ، عصر كل خميس ليرتب مكتبتى ، ويحمل لى ما يتسوقه من الكتب القديمة .. وكان للرجل ولع غريب بنظام المكتبات ، وكان يقول لى إن الفقر هو الذى قعد به عن السفر إلى ليبزج ليدرس فن الطباعة ، ونظام المكتبات ، وكان يعرف أننى رحالة جبت كثيرًا من البلاد ، ولهذا كان يستمع إلىّ وأنا أصف له ما شاهدت فى أوربا بعين شكرى ، وكان يقول لى إن أمنيته الوحيدة هى أن يدخر بعض المال ليسافر ويحقق رغباته .. ولكنه كان عاثر الجد أبدًا لا تتحقق له أمنية .. وكان يقول لزوجه إن الله رماها به ليمتحن إيمانها .. وأنه من نكد الدنيا أن تقع زوجة جميلة مثلها فى بيت رجل معدم مثله .. على أن زوجه كانت تطيب خاطره وتقول له إنها سعيدة بفقره ..
       وكنت أسمع عن هذه المرأة كثيرا ، وأعرف أنها آية الله فى خلقه ، وأنها مع جمالها ونضارتها ، حسنة التدبير ، تصنع له الغذاء الكامل بقروش قليلة ، وتعينه على الحياة البسيطة ، وتدفعه دائما إلى العمل ، ولكنه كان حائرا ، ضعيف العزم مترددا لا يستقر على حال ..
       ولما قامت الحرب أغرته امرأته بالتجارة فتاجر .. ولكن الحظ العاثر ، وضعف الحيلة لازماه ، فأفلس بعد شهور قليلة من عمله .. ولعله التاجر الوحيد الذى أفلس فى هذه الأيام ، وكادت هذه الضربة تكون قاصمة الظهر له ، لولا أنه تجلد وتماسك واستسلم لأمر ربه ..
***
       وكان قد انقطع عن زيارتى بعد إفلاسه ، حتى تصورت أنه قضى ، أو انتحر ، وإذا به يزورنى فجأة فى ليلة من الليالى ، وهو على حال من التعاسة لا تصور .. كان رث الثياب ، زرى الهيئة ، ضامر الوجه أصفره . وعلى جبينه خطوط وأخاديد ، وحول عينيه دوائر زرقاء .. ومن فمه تفوح الخمر .. وجلس أمامى صامتا على غير ما ألفته .. وكنت فى كل مرة يزورنى فيها لا أحفل به كثيرًا ، أتركه يعبث فى الكتب بعد أن أقدم له القهوة .. وأعود لعملى .. وكان يعرف أنى بطبعى رجل مستفرد صامت لا أحب الثرثرة ، ولا أصبر على مجالسة ثرثار ، ولهذا كان يغب فى الزيارة ويقصر .. ولكننى فى هذه المرة احتفيت به على غير عادة ، وأخذت أرد عليه بعض مرحه الذاهب ، وأتلطف معه فى الحديث مداعبا .. ولكن الرجل كان على غير استعداد لذلك .. كان كأنما أصابته ضربة قوية على يافوخه فظل مطرقا لا ينبس ، فتركته على حاله ، وعدت إلى كتبى ، واستغرقت فى المطالعة حتى نسيته .. ثم سمعته على حين غفلة ينادينى ، فرفعت وجهى عن الكتاب .. فألفيته واقفا فى نهاية الغرفة ، عند نافذة صغيرة تطل على النيل ، وعلى وجهه ابتسامة عريضة ..! فنظرت إليه مدهوشا ..! وسمعته يقول :
       - نسيت يا أخى .. أن أقول لك إن نعمات هانم تسلم عليك ..!
       فسألته :
       - ومن هى نعمات هانم هذه ..؟ 
    - زوجتى .. يا أخى ..!
       ففتحت فمى من الدهش .. واستطرد وهو يقول :
       - كانت تقول لى دائما .. لماذا لا تجئ بصادق أفندى .. لماذا لا تدعوه إلى زيارتنا مرة .. سأصنع له فطيرة من التى يشتهيها بقلبه .. ولكنى كنت يا أخى أخجل من أن أحدثك برغباتها ، لأنى أعرف أن وقتك من ذهب .. ولهذا كنت أتردد فى هذه الدعوة .. وعلى الأخص لأن منزلى بعيد .. فما الذى يدعوك أن تنتقل من هنا إلى أقصى روض الفرج .. لتزور إنسانا مهملا مثلى .. ولكنها كانت تلح علىّ أبدا ، لأنها تسمع عنك كثيرا .. وتود أن تعرفك .. ولهذا فكرت فى الأمر على وجه آخر .. أنسب لك .. فقلت فى نفسى أن صادق أفندى يعيش وحده عيشة مرة .. مستفردة .. ولا يجد من يصنع له طعامه .. فإذا جاء بخادم لا يمكث عنده أكثر من أسبوع لأنه يسرق ملابسه وكتبه ويهرب .. وحياته الغريبة تغرى الخدم بالسرقة .. وكيف لا يسرق الخادم وهو لا يرى سيده إلا فى ساعات قليلة من النهار .. ولهذا قلت لماذا لا تجئ نعمات .. إلى هنا .. لتصنع لك طعامك وتهيئ فراشك وتقوم بكل ما يلزمك .. لماذا لا تفعل ذلك .. والآن ما رأيك يا أخى فى أن تجئ من الغد ..!
       فأطرقت برأسى ، ولم أكن أتصور أنه يصل إلى هذا الحد من التدهور .. وبدا لى فى صورة نكراء بشعة .. وكانت عيناه قد لمعتا وابتسامته غدت أبدية ، ورائحة الخمر تفوح منه بشكل مقزز .. واتخذ هيئة الرجل النافض يده من أعباء الحياة جملة ، والذى استهتر بكل شيء ، وما عاد يحفل بأمر ..
       وتقدمت إليه .. ووضعت يدى على عاتقه .. ونظرت بقوة إلى عينيه وقلت له :
       - أنا أعرف أنك تمزح .. لقد دارت فى رأسك الخمر ..
       فأطرق لا ينبس ، وظل على ذلك مدة طويلة .. ثم أخذ جسمه ينتفض ، واستخرط فى البكاء .. وانتابته نوبة عصبية .. فتركته على حاله حتى تهدأ ثورة أعصابه ويثوب إلى نفسه ..
       ومضت لحظات صامتة كئيبة شديدة الوقع على النفس .. ثم رفع وجهه إلىّ وكانت عيناه تفيضان بالدمع .. وقال بصوت خافت :
       - لا تصدق ما قلته لك يا أخى .. عن زوجتى .. أنا أعرف أنك كريم النفس .. لا تقبل ما عرضته عليك .. ولذلك لذ لى أن أمثل هذا الدور أمامك .. ولا يمكن .. ولا تتصور أننى أقول هذا الكلام .. لأى إنسان آخر .. إنه الفقر يا أخى الذى يقتل كل شيء فى الرجل .. كل الإحساسات النبيلة ، التى تقرأ عنها فى بطون الكتب ، يقتل فيه ، الكرامة ، والرجولة ، وكل ما يتميز به الإنسان .. فيستجدى .. ويتدهور إلى ما رأيت .. ويجعله أحيانا أجبن من كلب ..! وأحيانا أخرى يغريه على التوثب والتوحش ..
       ووضعت يدى على عاتقه ، وأخذت أحادثه ، وأطيب خاطره ، حتى سكن ثائره ..
       وخرجت معه إلى بعض المطاعم فتعشينا ، وملأ معدته الفارغة ، وابتعت له هدية جميلة لزوجه ..!
       وتركنى وهو مسرور طروب .. ووعدنى بأن يسافر ، بعد الحرب ، إلى ليبزج ليدرس فن الطباعة ونظام المكتبات ..
ــــــــــــــــــــــــ 
نشرت القصة فى كتاب " الذئاب الجائعة " سنة 1944
____________________________ 

فى القرية




فى القرية

كنا نستيقظ فى الساعة الخامسة صباحا .. حتى فى أشد أيام الشتاء برودة ، وأقساها زمهريرا ، ونتخذ طريقنا إلى الحقل متثاقلين ..
كنا خمسة عشر رجلا من قرى مختلفة ، جمعنا عمل واحد فى قلب الصعيد ، كنا من العمال الأجراء الذين يسعون فى الأرض طلبًا للرزق ، أينما وجدوا للعمل سبيلا ، وللرزق موطنا ..
كنا من هذه المخلوقات البشرية التى كتب عليها الشقاء الأبدى فى هذه الحياة الدنيا ، والذين ولدوا فى ليال لا يلوح فيها نجم ، ولا تبدو بارقة من سعود .. !
وكانت الأيام تمضى بنا من سىء إلى أسوأ ، ولكن على الرغم من ضنك العيش ، وشدة الفاقة ، وبلاء الأيام ، فقد كنا قانعين بنصيبنا من العيش ، وحظنا من الحياة ..
كان الواحد منا لا يحصل على أكثر من ثلاثة قروش فى اليوم ، نظير العمل اثنتى عشرة ساعة فى الحقل .. وكنا نعمل بين الشادوف ، وسقى الأرض وعزقها ، من فجر اليوم ، إلى مغرب الشمس ، وطعامنا لا يعدو الخبز الأسود والبصل، وما تنبت الأرض من بقل ، ومع ذلك لم نكن نشكو نصبا ، ولا مرضا .. وكنا نعمل تحت الشمس ، ونصلى نارها طول النهار ..
وكانت ساعات الظهيرة ، فى قلب الصيف ، هى شر ما يمر بنا من الساعات .. حين تشتد الهاجرة ، ويركد الجو ، ويلتهب قرص الشمس .. كنا فى تلك الساعة نشعر بضنى شديد وعذاب لا يطاق ..
كانت الأرض المتقدة تلهث كما يلهث الكلب المضروب ، وتزفر من عذاب السعير ، والشمس تحمى حتى يلتهب كل شىء ، وتتحول دقاق الحصى إلى جمرات من نار .. فإذا أصابت باطن القدم ، كوته بنارها وشققته ورسمت فيه أخاديد .. !
وويل للذين كانوا يعزقون الحقل فى تلك الساعة من النهار .. كانوا يختنقون بين عيدان الذرة ، ويجودون بأنفاسهم فى بطء وعذاب .. وكان الذين يعملون فى الشواديف ، أسعد من هؤلاء حالا ، وأخف حملا ، لأنهم أقرب إلى الماء ، وأجسامهم شبه عارية ، وهى إن كانت تتصبب عرقا ، ولكنها لا تحمل غبار الأرض وحرقة الرمضاء ..
وكان الذين يسقون الأرض يحسون بلظاها من تحتهم ، كلما جرت عليها المياه ، كانت تخرج أنفاسها الحارة الملتهبة ، فيزداد الجو وهجا وسعيرا ..
***
كان الجهد الذى نبذله فى الشادوف جبارًا ، وكان يجرى الدماء فى عروقنا ، ويصبب العرق من أجسامنا ، وكان هذا العمل الشاق تحت لفح الشمس ، فى جو طلق ، يفيد أجسامنا من حيث لا نحتسب ، ويعوضنا عن غذائنا الردىء ، وحياتنا الشقية .. فكنا نشعر بقوة سواعدنا وقوة عضلاتنا .. وكنا نرتدى أقمصة زرقاء قصيرة ، ونعرض أجسامنا لكل تقلبات الجو ، لنأمن عادية المرض ..
كنا نجرى على حكم الفطرة السليمة ، فلم نكن درسنا الطب ، ولا تعلمنا فك الخط ، ومع ذلك كان نظرنا إلى الأمور صائبا ، وإدراكنا صحيحا ، وإيماننا باللّه ليس بعده إيمان ..
ولم يكن هناك ما يكدر صفو عيشنا ، كنا نعمل متعاونين متساندين كأحسن رفقاء ، وكان أحد الرفقة حلو الصوت شجيه ، فكان يرفع عقيرته ويشدو .. وكنا نشدو وراءه فى صوت مؤثر يأخذ بالألباب ..
وكانت الشواديف على ثلاث درجات ، ويعمل فى كل قسم ثلاثة رجال ، فى كل درج رجل .. وكنا ثلاثة صفوف متراصة ، فكانت هذه الشواديف التسعة وهى دائرة فى وقت واحد ، كأنها النواعير الباكية فى البساتين ، كنا ننسى على وقع صوتها كل تعب وجهد ، ونزداد حماسة وقوة .. ونتسابق فى نقل المياه بالدلاء من درج إلى درج .. وكان الذى فى الصف الأول يتحمل ثقل العمل كله ولهذا كنا نتبادل هذا المكان ..
كنا عدولا بالفطرة ، لأننا كنا فقراء بؤساء ، ولم يكن هناك ما يحملنا على الطمع .. ! وكانت المراكب الشراعية التى تشق النيل بصدرها تمر تحت شواديفنا ، فكنا نلوح للملاحين فيها جذلين فرحين ، ونرفع صوتنا بالغناء والنشيد مثلهم .. وأطيب ما يكون الغناء ساعة الصبح ، وعند الغسق ، فى الساعة التى يسكن فيها كل شىء ويسجو ..
كانت الأيام تمضى رتيبة ، وكنا ننتقل من الحقل إلى القرية ، وننام فى منزل صغير اكتريناه بعرق جبيننا ، واختزنا فيه طعامنا .. ولقد كان المنزل أشبه بزريبة الحيوانات التى بجوارنا .. ومع هذا فقد رضينا بقسمتنا فى الحياة ، ونصيبنا من العيش ، وكنا سعداء .. !
***
كان بجوار الشادوف الذى أعمل فيه طريق صغير يفضى إلى ساحل النيل ، وكانت النسوة فى القرية يتخذنه طريقا لملء جرارهن من النيل فى فجر كل يوم وأصيله .. ولما كنا نعمل شبه عراة فى الشواديف ، فقد كانت نساء القرية يسدلن خمرهن على وجوهن كلما اقتربن منا ، ويتجنبن النظر إلى ناحيتنا ، ومع ذلك ، فقد كانت الحماسة تبلغ بنا أشدها عندما يردن الماء .. كان كل منا يحاول أن يسبق الآخر فى نزح المياه التى تحته ليظفر باعجابهن .. ! وكن أحيانا يرميننا بنظرات جانبية سريعة .. ولكنها كانت عطشى .. كانت أجسامنا العارية ، وعضلاتنا المفتولة تثير فيهن الإعجاب الكامن ..
كنت أشد الرفاق ساعدا وأقواهم عضلا ، وكنت ألاحظ أن فتاة تجىء ساعة الغروب وعند الطفل .. عندما يغيب قرص الشمس وراء الجبل ، كانت تطلع هى علينا .. فيخيل إلينا أن الشمس لا تزال طالعة .. ! وكانت من دون النساء جميعا، تهل علينا سافرة تاركة نفسها على سجيتها ، فلم تكن تتصنع فى مشيتها ، ولا فى لفتتها ، ولا فى نظرتها ..
وكنت أتعمد أن أكون فى الساعة التى تجىء فيها فى آخر درج من الشادوف ، عند الماء ، لأكون بالقرب منها ، وهى تملأ الجرة .. كانت تدع الجرة على الشاطئ هنيهة ، وتجلس محدقة فى الماء ، كأنها ترى وجهها فى صفحته .. ثم تتناول الجرة بيدها اليمنى ، بعد أن تشمر عن ساعديها وتنزل إلى الماء ، رافعة ثوبها عن ساقيها قليلا .. قليلا .. حتى يبلغ الماء قصبة الساق .. ! فتنحنى على الماء وتملأ الجرة ، ثم تعود إلى الشاطئ ، وترسل ثوبها ، وتنتصب ، وهنا يبدو عودها اللدن ، ووجهها المشرق ، وشعرها الغدافى الجثل المرسل وراء ظهرها ، والذى يكون هالة لجبينها ..
كانت كإحدى عرائس البحر التى نسمع عنها فى الأساطير ، وكأنما جعل اللّه كل فتنتها فى عينيها ، فكانت عندما تأخذ فى رفع الجرة على رأسها ، تتلفت نحوى كما يتلفت الظبى الشارد .. ! كنت فى تلك اللحظة أنتفض ، وأنحنى على الشادوف ، ثم أرفع رأسى ، وأرمى بالدلو إلى القناة فى عنف .. ! وكانت هى ، فى تلك الساعة ، تصعد المنحدر إلى الطريق ، فأرى ثوبها ، وهو ينثنى على ظهرها ، وأشيعها ببصرى حتى تتوارى عنى .. ويزحف الغسق ، فنخلع الدلاء ، ونأخذ طريقنا إلى القرية .
***
كنا غرباء عن القرية ، وكان المنزل الذى نكتريه فى ناحيتها الشرقية ، وكان أقرب منازل القرية إلى الحقل ، فلم نكن ندخل القرية ، أو نرى سوقها إلا قليلا .. ولهذا ما كنا نرى من النساء إلا أولئك اللواتى يجئن ليملأن الجرار ساعة الغروب وعند الفجر .. فكن سلوتنا وبلسم أحزاننا .. وعلى الرغم من أن واحدًا منا لم يحادث واحدة منهن ، فقد كنا جميعا نشعر بسعادة تهز مشاعر الإنسان ، كلما سمعنا حسهن ، ووسوسة حليهن .. !
وأخذت الفتاة على توالى الأيام تبادلنى النظرات ، وتتمهل فى سيرها وهى نازلة إلى النيل ، أو صاعدة إلى الطريق ، لأملأ عينى منها ، وكنت أشعر بلذة تهز كيانى كلما ارتوت عيناى من حسنها ..
وكانت تتخلف أحيانا فى بعض الأيام ، فأشعر بالوحشة والقلق ، وأحاول أن أسأل الناس عنها ، وأظل على أحر من الجمر حتى تعود .. ! فأعود معها إلى عملى بنشاط وقوة .. ! أصبح كل شىء فىّ معلقا بها .. وكنت محروما .. مرت علىّ سنوات عدة لم أتصل فى خلالها بامرأة ، فكنت أحس ، كلما وقع بصرى عليها ، بسعار يسرى فى ألياف لحمى ولهب .. ! وكانت على مر الأيام قد عرفت حالى .. وأدركت بغريزتها ما أعانيه فى سبيلها ..
فكانت تتأخر عامدة إلى ما بعد الغروب ، وتروح وحدها محاذية الحقول ، وعلى رأسها جرتها ، وكانت تسير متهادية متباطئة ، حتى تبلغ جسر القرية ..
وكنت أقف على رأس الحقل ، وأرسل وراءها بصرى ، وهى مولية عنى فى غبش الغسق .. كانت كعروس البحر ، وهى سائرة وحدها فى أول الليل ، كانت أنفاس المزرعة تتعطر ، والجو كله ينقلب رخاء سجسجا ، ونسيما لينا يداعب الوجوه ، والقرية تستقبلها ضاحكة ، كأنها تستقبل عروسها ، وبنتها البكر .. !
كان كل شىء يضحك ويبتسم فى وجهها ، وكان رفاقى فى الحقل يحدجونها بعيونهم ، ويرمونها بنظراتهم النهمة ، وهى سائرة وحدها بجانب الحقل .. ولكن أحدًا منهم لم يكن له مطمع فيها ، ولا أمل .. !
وكثيرا ما كانت تقف على رأس المنحدر ، وترمقنا ونحن نتسابق بالدلاء .. فإذا ما كانت الغلبة لى انثنت عنا ، وهى ترسل إلىّ أعذب ابتساماتها .. ! كنت أشعر بقوة غريبة كلما رأيتها ، وأود لو أنزح ماء النيل كله فى غمضة عين ..
***
وتبعتها ذات مساء وهى متروحة وحدها .. سارت على الجسر ، وقبل أن تبلغ منازل القرية انحدرت عنه ، ومشت متمهلة فى طريق صغير بين الحقول.. وهى تلوح بساعدها الأيمن فى الهواء .. وتضع يدها اليسرى على بطن الجرة ..!
وخرجت من الحقول إلى عرصة فسيحة ، وبدت أمامى ، فى ناحية من العرصة ، بيوت من الشعر .. أخبية متناثرة على غير انتظام .. لم أشاهد هذه الأخبية من قبل ، مع أنى مررت على الجسر أكثر من مرة .. ! ولعلى لمحتها فى صورة سريعة لم تطبع فى مخيلتى ، ككل شىء لا يعنينا فى هذه الحياة ..
جلست على حافة الجسر أرقب خباءها ، وخباء من معها من قومها وكانوا عشرة أو يزيدون .. فيهم كثير من الأطفال ، وقليل من الرجال .. ونساء غيرها ، ولكنها كانت أشدهن فتنة وأخذا .. وكان مع هذه القافلة غنم وعنزات .. وبط ودجاج يرعى فى كل مكان ثم أتانان مهزولتان .. لا شك أن عليهما حمل متاع هذه القافلة إلى حيث تمضى .. !
نظرت إلى هذا كله .. وأدركت أنهم من الغجر الذين يخيمون كثيرا فى هذه القرية ، ثم يقوضون خيامهم ، ويرحلون عنها بأسرع مما جاءوا .. سررت وتألمت فى آن .. وأخذت أراقبهم ..
ومع أن الليل لم يكن قد أسدل غياهبه ، ونشر ظلامه ، فإنهم كانوا يوقدون النيران فى أكثر من مكان واحد .. ويهيئون العشاء فى قدور تغلى ، ويتصاعد من تحتها الدخان .. ! ورأيت فى ناحية من المكان عجوزا ، براقة العينين ، تحرك بيدها مجرافا طويلا ، وتذكى النار فى الموقد .. وعينها على جدى يناطح خروفا .. ! وامرأة قصيرة القامة تلقى بعض الحشائش للعنزات .. وأخرى ترضع صغيرا .. وصبية يتصايحون .. بين البط والدجاج والكلاب ، التى لم يكن فيها كلب واحد ينبح ، أو حتى يحرك ذنبه .. !
وكان هناك رجل كث الشارب ، أحمر البشرة ، له وجه شيطان وجسم ثور ، يفتل حبلا طويلا من الليف ، ويصعد بصره فى السماء من حين إلى حين ..
وكانت صاحبتى قد دخلت الخباء ، ثم خرجت منه ، وتبادلت مع ذلك الثور الضخم بضع كلمات .. ثم انتبذت ناحية ، وجلست وحدها ساكنة ، وعينها إلى نخيل القرية السامق ، وهو يتمايل مع نسيم الغروب ..
***
كنا نسقى الأرض العالية من الحقل ، وكانت القناة الرئيسية ممتلئة إلى حافتيها بالماء ، وكنت أمر عليها ، وأقوى الأماكن الضعيفة منها ، وأعمق القاع ، وأجرف الطين ، وأزيح الأعشاب ..
ولمحت الفتاة قادمة من بعيد .. مالت عن الجسر ، وسارت فى الطريق الصغير بين الحقول ، وكانت تمشى الهوينا كعادتها ، وتسوق أمامها قطيعا .. قطيعا عجيبا .. كان خليطا من الغنم والأعنز والبط ، وبعض الطيور الأخرى .. وكان الوقت ظهرًا ، والقيظ شديدًا .. وكانت تلوح بعصاها ، وتنزل بها على ظهر الغنم .. وترد الأعنز إلى الطريق ..
وكانت تمشى الوجى ، وملامحها ساكنة ، ووجهها فى لون البرنز وفمها الدقيق مفتوحًا .. ونفسها مبهورًا ، وقدماها عاريتين .. ولقد أشفقت على هاتين القدمين الصغيرتين ، وهما تصليان نار الأرض ، فى تلك الساعة من النهار .. ووددت لو أفرش لها الطريق بالسندس ، أو الإستبرق .. !
وقفت على مدى أذرع قليلة منى .. وورد القطيع الماء .. مدت الأغنام والعنزات أعناقها وقفز البط إليه .. وكنت محولا وجهى عن الشمس ، ويدى على الفأس ، وعينى إلى الأفق .. وشعرت لأول مرة فى حياتى باضطراب شديد ..
أنا رجل من لحم ودم .. رغم كل شىء .. ورغم ما فى من قوة الأعصاب.. وأنا وإن كنت ريفيا خشنا لم يخفق قلبى خفقة الوجد ، ولم أنعم فى ظلال الروض بنسيم الحب وشذاه .. ولكنى رجل .. رجل فى ربيع عمره، من لحم ودم .. ذاق قسوة الحرمان عدة سنين .. !
ولهذا شعرت عندما اقتربت منى هذه المرأة ، وامتزجت أنفاسها بأنفاس الزرع المحيط بى ، بأن يدًا من الفولاذ تعصر قلبى .. فوضعت الفأس على كتفى ، وتركت المرأة وحدها، ودخلت الحقل ، وأخذت أضرب فى الأرض ، وعيناى لا تريان شيئا ، وجسمى يسيل عرقا .. وظللت على ذلك مدة خيل إلى أنها طويلة جدا..
وتنبهت على صوت المياه ، وهى تتدفق بجوارى ، وتسيل تحت قدمى .. فأسرعت إلى خارج الحقل .. فوجدت القناة قد تقطعت فى المكان الذى كان يشرب فيه القطيع .. وكانت الفتاة واقفة فى مكانها تضحك .. !
فقلت لها فى غيظ وخشونة :
ـ أهذا مضحك .. ؟
ـ ليس أمتع منه منظرًا .. !
ـ اذهبى بغنمك وعنزاتك .. إن هذا جهد تسعة رجال من لحم ودم .. اذهبى ..
فظلت فى مكانها ، ساجية الطرف ، تضحك !
ـ أقول لك اذهبى .. اذهبى إلى جهنم بغنمك و ..
ـ أنا أشرب من النيل .. والنيل ليس ملكك ، ولا ملكا لأحد .
فلوحت بذراعى ، وصحت فى وجهها وصوتى يرعد من الغضب !
ـ النيل هناك .. وإذا جئت إلى هذه القناة مرة أخرى سأقطع رأسك بهذه الفأس .. !
فبقيت فى مكانها ساكنة ، ووجهها باسم ، لم يكن هناك شىء يخيفها ، أو يفزعها .. ! وكنت قد سددت القطع ، وسكن جائشى ، وعاودنى بعض الهدوء .. وكانت تلاحظنى ، وأنا أجرف الطين ، بعينين ذابلتين ، شبه مسبلتين، ولكنهما تلمعان ، ويبدو فيهما من حين إلى حين .. ذلك البريق الخاطف الذى لا تراه إلا فى نساء « النور » ..
هزت عصاها ، وساقت القطيع .. تقدمت به نحوى ! ووقفت أمامى فى الناحية الأخرى من القناة ، وكان خداها يرف لونهما ، ويذوب فيهما شعاع الشمس ، وشفتها السفلى فى لون الدم .. ! ورفعت أهدابها ، وقالت فى صوت كالهمس :
ـ أعطنى بعض الحشائش للعنزات .. !
فأشرت بيدى إلى الحقل ، وقلت لها فى صوت جاف :
ـ الحقل أمامك ، فورقى منه ما تشاءين ..
ـ لا أعرف .. !
ـ ماذا ؟! ...
ـ لا أعرف .. أنا لست فلاحة ..
ـ أنا أعرف أنك بنت العمدة ! .. ومن تكونين إذن ؟ ..
ـ أنا غجرية ! ..
ـ نورية ؟ ..
ـ نورية ! ..
ـ ومتى ترحلون .. !
ـ لا ادرى .. ولا حتى طوفان يدرى .. !
فأدركت أن طوفان هو ذلك الثور الهائل الذى كان يفتل الحبل ، ولا شك أنه زعيم القافلة .. ! ورجلها أيضا .. !
ودخلت الحقل ، وخرجت منه بحزمة ضخمة من الحشائش ، وألقيتها تحت قدميها ..
وقلت لها :
ـ خذى .. واذهبى عنى ..
ـ أنا لست قوية مثلك .. ولا أستطيع حمل هذه .. !
ـ إنها ليست أثقل من الجرة ..
ـ ولكننى لا أستطيع حملها ..
ـ سترين .. !
وعبرت القناة ، واقتربت منها .. واقتربت منى .. ورفعت طرفها .. وصوبت عينيها إلى أعماق عينى ..
وأخذنى ما يشبه السعار عندما لمست يدى ذراعها .. ووضعت الحزمة على رأسها فى قوة ، فرفعت أهدابها ، وركزت بصرها .. وظلت على ذلك برهة .. ثم حولت وجهها عنى ، ومضت تحت وهج الشمس الحامية ..
***
تعلق قلبى بها بعد هذه المقابلة ، وأخذت أفهم بوضوح سر نظرتها .. وأتبين الرغبة فى أعماق عينيها ..
كانت قد هزت شيئا كامنا فى أعماق نفسى .. وحركت غريزتى بعد طول سكونها ، وطول خمودها .. عندما تبتعد عن المرأة ، وتشغل عنها بالعمل الشاق ، لا تعود تفكر فيها إلا تفكيرا عارضا.. وقد تطرحها وراء ظهرك وتنساها كلية .. !
ولكن ويل للرجل القوى الجسم ، الكامل الرجولة إذا حامت حوله امرأة .. وألقت عليه شباكها.. ووقع تحت سلطان نظرتها النهمة .. ويل له من العذاب المضنى ، والألم الشديد ، والقلق المستبد ، والأرق الذى لا نوم بعده ..
كنت أضع جنبى على الأرض ، ولا أتحرك طول الليل ، ولا يمر بى حتى طيف حلم .. ! أما الآن فأنا أتقلب طول الليل على جنبى ، وأتمثلها بنظرتها ورغبتها .. وأحلم بأنها بين ذراعى ، وأنى آخذها فى أحضانى .. !  لقد أخذ نظرى يشرد ، وعقلى يضطرب ، وجسمى يثور ، وروحى تتعذب ، وجو حياتى كله قد تكنفته الشياطين .. !
***
اشتد على الأرق فى ليلة من الليالى ، وثارت ثورة الدم فى جسمى ، فغادرت المنزل ، ومشيت على الجسر ، وكان الليل ساكنا ، والظلام مخيما ، والقرية كلها غارقة فى سبات عميق .. ولا شىء يقطع هذا السكون غير نباح الكلاب بين الفينة والفينة ..
ومضيت على الجسر حتى ألفيت نفسى واقفا بإزاء خبائها .. إنها نائمة الآن .. ربما فى أحضان ذلك الثور .. أو ساهرة وحدها تعد النجوم .. ويممت وجهى شطر الحقول ، ووجدت نفسى أمضى سريعا كأنما أساق إلى غاية .. وأخذت عينى الشواديف ، وهى قائمة فى فحمة الليل كالأشباح .. ومشيت على النيل ، ولمحت قلوع المراكب البيضاء ، وهى ترتعش فى جوف الظلام ..
وطالعنى الجمال والسكون من كل جانب .. سكون النيل .. وسكون الروض .. وسكون الليل .. ولكن لا شىء يسكن ثوران جسمى ، ويهدئ فورة الدم فى شرايينى ! .. لا شىء .. !
اضطجعت فى بطن القناة .. وعينى إلى نجوم الليل البراقة .. وأذنى إلى كل حس .. إلى حس إنسان .. إلى صوت امرأة .. ومضت ساعة .. وأنا مرهف سمعى .. وبصرى لا يتحول عن الطريق ..
وسمعت حسًا ، سمعت صوتًا كالهمس ، فرفعت رأسى ، وشخصت ببصرى .. وكان النور قد بدأ ينتشر .. وتبينت نساء فى الطريق إلى النيل .. لقد بدأن يملأن الجرار .. وستجىء هى .. بعد هؤلاء أو بعد سواهن .. وعادت النسوه إلى القرية ، وجاء غيرهن .. ومضين .. ولم يأت بعدهن أحد ..
أنقطعت الرجل .. واشتد السكون .. ورأيت سوادا ينحدر عن الجسر .. نهضت بصدرى وأرسلت عينى .. وظللت معلقا بصرى بهذه المرأة حتى اقتربت وتوضحتها .. إنها هى .. ولا أحد يتأود فى مشيته مثلها .. ولا أحد يجىء وحده سواها .. ونهضت من مكانى ، واندفعت فى سرعة البرق إلى الحقل .. !
وحملت فأسا على ظهرى ، ومضيت إلى رأس القناة ، وأخذت أضرب فى الأرض .. ! ونظرى يرتفع عن الأرض ، ويستقر على الطريق .. وكانت تسير هادئة ساكنة ، ولما اقتربت منى سمعت صوت الفأس .. فمالت برأسها ، وتمهلت فى سيرها لحظة .. ثم استأنفت السير حتى اقتربت منى جدا ..
وقالت:
ـ آه .. أهذا أنت ؟ .. إنك لا تنام كالشياطين .. !
فلم أرد عليها ، وأخذت أضرب فى الأرض ..
ـ أتعمل فى هذه الساعة .. إن النور لم يطلع بعد .. !
ـ يجب أن أهيىء القناة قبل أن تدور الشواديف .. »
ـ ولكن هذا جهد شاق .. شاق جدا .. يضر بك ويفنى قوتك ..
ـ إن هذا لا يضر .. ولا شىء يفنى قوتى إلا الموت ..
فابتسمت ، ومضت بالجرة ونزلت إلى النيل .. ألقيت الفأس .. ووقفت على رأس المنحدر أرقبها بعينين زائغتين .. وطلعت ، ورأتنى واقفا كالناطور .. ! فوضعت الجرة على حافة الطريق لتصلح من ثوبها ..
وقالت :
ـ لماذا تقف هكذا .. أتريد أن تستحم .. ؟
ـ أجل ..
ـ فى طريق النساء .. إنك شيطان .. !
ـ لقد انقطعت الرجل .. وسأذهب بعيدا .. دعينى أساعدك على حمل الجرة ..
ووضعت يدى على يدها ، وهى ممسكة بأذن الجرة .. وسرى فى جسمى اللهب ..
نظرت إلىّ .. وأدركت ما يدور فى خاطرى .. وشددت على ذراعها ..
فقالت :
ـ دعنى أمض .. لماذا تنظر إلى هكذا .. دعنى أمضى ..
وكانت تهمس ، ولكنى شددت على ذراعها بقبضة من فولاذ .. وحملتها.. وفى سرعة البرق دخلت بها الحقل ..
***
وقالت لى وهى تحمل الجرة عائدة إلى القرية :
ـ إنك وحش .. ولكنى أحب الوحوش .. !
***
ومرت الأيام ، وكانت مستسلمة بكليتها لى ، وشاعرة بنشوة لا تصور ، وكانت تأخذ منى كثيرا ، ولا آخذ منها شيئا .. ولم تكن من أولئك النساء اللواتى يشعرن بعد الجريمة بعذاب القلق ، ويقظة الوجدان فيرحن يقطعن حسرات ويرسلن العبرات .. ! لم تكن من هؤلاء فى شىء ، بل كانت تزداد على الأيام فجورا وسعيرا ، وازداد معها نزقا وطيشا ..
عندما كنت صغيرا ، كنت أخرج مع لداتى من أبناء قريتى إلى النيل ، ونتسلق صوارى المراكب إلى أن نصل إلى قمتها .. ونقفز من هذه القمة إلى الماء .. ونغوص إلى القاع حتى تلمس أقدامنا الوحل .. ! ثم نشب بعد ذلك فى بطء ، ويصافح وجهى سطح الماء فأنفض رأسى ، وأنا شاعر بدوار لذيذ .. ! وهذا هو حالى مع هذه المرأة ، فأنا غائص إلى الأعماق ، وشاعر بنفس الدوار ..
كان جسمها من السعير ، وكانت روحها تتلظى أبدا فى النار ، وكنت كأنما شددت إليها بسلاسل من الحديد ، فما من فكاك ..
وكانت روحى تستيقظ من حين إلى حين ، فأشعر بعذاب قتال ، لقد كنت ناعم البال ، قرير العين ، مثلوج الفؤاد ، قبل أن ألتقى بهذه المرأة ، فلما التقيت بها ، لفتنى العاصفة الهوجاء فى طياتها ، وكدت أذهب مع الريح .. !
ولقد كان الرفاق يذهبون جميعا للصلاة فى يوم الجمعة ، وكنت أتخلف وحدى .. فما كنت أستطيع أن أذهب معهم ..
كان جسدى قد سقط ، وروحى قد تلوث ، فكيف أقف أمام اللّه كما كنت أقف من قبل .. ويل لى من العذاب .. كنت أتبع الرفاق ببصرى ، وأنا واقف فى مكانى كالمنبوذ ، وأود لو أتمرغ فى التراب .
***
كانت الشواديف دائرة على أشدها ، وكانت الشمس قد آذنت بالمغيب ، وفعل نسيم الغروب فى أجسامنا فعل السحر ، فازددنا نشاطا وقوة .. ودارت الشواديف فى جنون ، وكنا ، نغنى ونشيع النهار المولى ..
وسقط أحد الشواديف فجأة ، مالت قوائمه ، وتحمل عجزه على الأرض .. وصعدت مع أحد الرفاق لرفعه .. وفيما أنا أدور ، وعلى صدرى هذه الكتلة الضخمة من الطين ، زلفت رجلى وسقطت إلى أسفل .. وجرحت جرحا بليغا واختلط الدم الغزير بالماء .. وغدا كل شىء أحمر ..
وكفت الشواديف عن الحركة .. ونظر إلى الرفاق فى ذهول ، وشفقة وألم .. وحملونى إلى البيت ..
وكان عباس أقوى الرجال من بعدى .. فاحتل مكانى ، وأدار دفة العمل أثناء مرضى ..
***
وطالت أيام مرضى .. فلم يكن هناك علاج ولا طب ، فقد تركت نفسى لرحمة الأقدار ..
وتطور الجرح ، وأصبت بالحمى ، وكنت أهذى طول الليل فى غرفة حقيرة قذرة ليس فيها نور ، ولا هواء ، ولا تراها عين الشمس .. فلم يكن فيها غير منفذ واحد ، وهو بابها الصغير .. ! وكانت الحشرات تمرح فيها فى الليل ، والذباب يملأ جوها فى النهار ، والروائح الكريهة تنبعث من كل مكان ..
وكنت ملقى على حصيرة قذرة فى ركن من الغرفة .. وتحت رأسى وسادة أقذر منها .. فأى عذاب وألم ، وأى حياة يحياها الريفى المسكين.. ! إنه إذا عاد من الحقل ، ودخل البيت ، أو ما يسمى بيتا شعر بالاختناق ، ولكن حسه يبلد على مر الأيام ، وعينه تألف القذارة ، كما يتعود بطنه الجوع .. فإذا مرض أرهف حسه ، ورجعت إليه مشاعره من جديد، وذكر المدينة وما يجرى فيها .. وراح يتصور القصور الشامخة ، والحدائق الغناء .. والمستشفيات والأطباء فى كل مكان فى المدينة .. وتفتحت آفاق نفسه ، وتاقت لأطايب الحياة ومناعمها ، وتحسر على ما مضى من عمره فى فقر وعذاب .. وأحس بالألم ، وويل للمظلوم إذا شعر بأنه مظلوم ..
كنت أقضى الليل ساهرًا ، وأفتح عينى فى الظلام ، وأحس بعباس وهو يتسلل من الغرفة فى أخريات الليل .. وأسائل نفسى إلى أين يذهب ..!  فإذا رجع نام كالقتيل .. ! أهو عائد من عندها .. ؟ لقد كنت أنام هكذا .. بعد كل موعد معها .. فمن المحتمل جدا .. أنها أوقعته فى حبالتها .. وهى تواعده كل يوم كما كانت تواعدنى ، وتأخذه إلى نفس المكان .. ! فيالسخرية الأقدار  .. كنت أدور ببصرى فى الغرفة كالمجنون حتى أستقر على وجهه ، وأود لو أعرف الحقيقة ، الحقيقة ليس إلا .. فقد كان الشك ينهش قلبى ..
***
وكان أول شىء فعلته بعد أن قويت على السير ، ورجعت إلى بعض قوتى ، أنى ذهبت إلى الحقل مبكرا لأراها .. ورأيتها وحادثتها وواعدتنى ، وجاءت فى هذه المرة فى نصف الليل ، ولم تبق طويلا .. وكانت تنظر إلى عينى فى استغراب ، ولم أدرك سر نظرتها ..
وقابلتها بعد ذلك مرات ، وكانت فى كل مرة لا تمكث سوى دقائق قليلة ، وتتعلل بالأكاذيب ..
وذات مرة أمسكت بذراعها ، وقلت لها فى غضب :
ـ ما الذى جرى يا ناعسة .. لقد تغيرت .. لماذا لا تمكثين غير لحظات ، وتمضين لطيتك .. ؟
ـ إن طوفان بدأ يلاحظ .. وأنت تعرف الثور عندما يثور .. !
وكانت تكذب ، فليس لطوفان ، ولا ألف رجل من أضرابه حساب فى نظرها ، وما من شىء كان يخيفها ويحول بينها وبين رغباتها ، وما من إنسان تخشاه .. فقد تقمصتها روح شيطان .. ولكننى تغيرت فتغيرت .. ملت وضجرت ، لأنها لم تعد تحس بقوة سواعدى ..
***
ورأيتها ذات مساء تديم النظر ، فى سكون ، إلى عينى ، ثم تولى وجهها مفزعة .. !
فسألتها :
ـ لماذا تنظرين إلى هكذا .. ؟
فعاد الهدوء إلى وجهها ، وارتسمت على فمها ابتسامة باهتة ، وظلت صامتة ..
ـ لماذا تنظرين إلى عينى هكذا .. ؟
وهززت ساعدها .. فقالت فى صوت كالهمس :
ـ أرى فى عينيك شيئا رهيبا .. !
ـ ما هو .. ؟
ـ لا أستطيع أن أبوح لك به الآن .. دعنى أمض ..
ـ لن أدعك تذهبين .. حتى .. حتى ..
ـ إنك مخبول .. دعنى أمض .. لا شىء فى عينيك ..
ومضت فى جوف الظلام ..
***
وسرت وراءها ذات ليلة .. وأحست بى فتوقفت عن سيرها ، وتقدمت حتى وقفت أمامها ، وأمسكت بذراعها ، فأفلتت ذراعها من يدى بقوة كمن أصابته لدغة عقرب .. ! وفى مثل لمح الطرف انقلبت ملامح وجهها إلى وجه نمرة .. !
وقالت بصوت يرتعش ، وهى ترسل من عينيها نارا :
ـ ما الذى تريده .. ؟
فأرسلت يدى إليها مرة أخرى ، فصرخت فى وجهى :
ـ ابتعد عنى .. لا تلمسنى أيها القذر .. !
شعرت بغيظ شديد ، وتلفت حولى فلم أجد إنسانا .. ليس هناك سوانا ، ونظرت إليها نظرة مجنون .. كان قلبى يتقد من الغيظ ، وعيناى ترسلان وهجا من نار .. وأدركت ما يدور فى ذهنى ..
فقالت فى هدوء ، وشفتها السفلى متقلصة ، وعينها لا تتحول عن وجهى :
ـ هل تحسب أنك تخيفنى بهذه النظرة .. !  أنا لست ملكا لك ، ولا ملكا لأحد .. أنا حرة طليقة كالطير ، أطير فى كل مكان .. وما لأحد سلطان على .. وما من شىء يخيفنى .. وما من شر يصيبنى من إنسان .. أما أنت فستساق يوما إلى المشنقة بين صفين من الجند .. !
ومضت عنى ، واحتواها الظلام ، وبقيت مسمرا فى مكانى ، ملصقا بالأرض ، كأنى أحد النواطير القائمة فى الحقل لتخيف العصافير ..
***
ونضج حقل الذرة وأخذنا نقطع الكيزان ، ونكومها فى طرف الحقل .. وكان ثلاثة منا يبيتون فى الغيط مناوبة ، ومعهم سلاحهم ، وكان الحقل قد قطع نصفه وبقى نصفه ، الآخر قائما .. وكان علينا النوبة ، أنا وصاحبى عباس ، ورجل ثالث ..
وكانت الليلة مظلمة ساكنة الريح ، ففرشنا الزكائب وتمددنا عليها ، وأعيننا تحصى النجوم فى السماء .. وآذاننا إلى كل حس .. وكانت رقعة السماء منبسطة ، والنجوم تتهاوى فى ثلث الليل الثانى كالشهب ، وكان النيل قد فاض .. وأخذت الضفادع تنقنق .. احتفالا بفيضانه .. ! واعتمد رفيقنا الثالث على حزمة من القش ونام ، وبقيت أنا وعباس نتحدث .. وكان بين الفينة والفينة يرفع بصره إلى الطريق .. ثم يضع رأسه على الزكيبة .. وأكثر من هذه الحركة ..
فسألته :
ـ لماذا تدور ببصرك هكذا .. ؟
فقال :
ـ أخاف على الناقة .. »
وكانت باركة .. على مسافة منا ..
فقلت له :
ـ لا تخش شيئا .. بركها هنا .. على مرمى البصر منا ..
فنهض وأخذ بخطام الناقة .. وعينه تتلفت كأنه يبحث عن شىء .. ثم أناخها عن قرب .. وعاد فتمدد ..
وأخذنى النوم ، وصحوت فتفقدت رفيقى فلم أجده بجوارى ..
ودرت فيما حولى .. ولمحت امرأة خارجة من الحقل .. مضت فى الطريق وهى لا تتلفت .. ورفعت وجهى ، وعرفتها .. لقد كانت هى بعينها ، بلحمها ودمها ومشيتها ، ولا أحد يمشى غيرها ، فى غلس الليل ، وليست هناك امرأة تركب الخطار مثلها .. فى سبيل إرضاء رغبتها ..
وسحبت البندقية من تحتى ، كنت فى حالة هياج وخبل .. وكانت الغيرة العمياء قد تملكتنى .. لماذا لا أقتل هذه الحية ، وأريح البشرية من سمها ؟..!
انها قتلتنى ، وستقتل عباس من بعدى .. ثم ترمى حبائلها وشباكها إلى رجل آخر .. وتأخذ من كل رجل كل قوته .. فإذا ضعف أمامها لفظته ، وطرحت به بعيدا .. وكم قتلت من الرجال قبلى ، وكم ستقتل من بعدى ..
وجذبت الأكرة ، وسمعت حركة الرصاصة وهى تستقر فى الماسورة ، وصوبت وسددت ، وبقيت ثانية أرتعش ، ورأيتها تتلفت ، أدارت وجهها... ورأيت عينيها ، بعين الخيال ، تنظران إلىّ فى قوة ..
وهى تقول :
ـ لا أحد .. يستطيع قتلى .. وما من شر يصيبنى من إنسان .. أما أنت فستساق إلى المشنقة بين صفين من الجند .. !
وغامت عيناى .. وسمعت صوت رفيقى الثالث وهو يقول :
ـ ما الذى جرى يا نعمان .. أترى شيئا .. ؟
فأجبته فى صوت يرتعش :
ـ ألمح ظل ثعلب .. وكنت أود أن أصطاده ، ولكن اللّه أراد أن يذهب إلى سبيله .. !
ووضعت البندقية فى مكانها ، بعد أن أخرجت الرصاصة ..
وجاء عباس .. بعد مدة .. وعندما لمحته قادما من بعيد تناومت .. وحدق فى وجهى طويلا ، ثم ارتمى على كوم من القش ونام ، دون حس ولا حركة ، كأنه كان يقطع الأحجار طول النهار فى المحجر .. !
***
انتهت أيام العمل وعدنا نتبطل ونركب الحياة بشبابنا ..
وكان أحد أبناء الأعيان سيتزوج .. ولما كان محبوبا ووحيد أبويه ، فقد عم الفرح كل بيت فى القرية ، وكان الفرح قد بدأ قبل الزفاف بأسبوع بالرقص على الخيل ، ولعب العصا من العصر إلى الغروب ، وبعد العشاء يدور السامر إلى الفجر ..
وأعدوا أرضا منبسطة فى خارج القرية لذلك ، ولما كنت من اللاعبيين بالعصا ، فقد كنت أذهب إلى هناك ، عندما أسمع أول ضرب للطبل ، وأول صوت للمزمار ..
وكنت قد شفيت تمامًا ، ورجعت إلى قوتى ، وتطلعت إلىَّ الأنظار ، فقد كنت أبرع من دار بالعصا فى حلقة ، وكان عباس أيضًا من البارعين فى هذه اللعبة ، ولهذا كان يلاعبنى كثيرًا ، على أن الغلبة كانت لى دائمًا .. وظللت بطل الميدان ، ومحط الأنظار ، وكان سرورى بذلك عظيما ..
وكان السامر يبدأ بعد العشاء ، وتشعل النيران لتحمى بها الدفوف ، ثم يدور الرقص فى ضوء القمر ، وتحت نوره الفضى ، ويزمر الزامرون ، وترقص الراقصات ، والسامر كله يصفق فى مرح وحبور .. وتتثنى الراقصات ، ويدرن فى الحلقة ، يوزعن البسمات على الجالسين ، ويجمعن النقود .. !
***
وجاءوا بناعسة ذات ليلة .. وكانت ترقص مسبلة العينين ، مفتوحة الشفتين ، كأنها فى نوم هادىء تتخلله ألذ الأحلام .. ! وكان جسمها يتلوى ويتثنى ويدور ..
وكان عباس فى الصف الأول من الحلقة ، فكانت تدور إلى أن تحاذيه ، فتقف أمامه ، وتطيل الوقفة ، وهى تميد وتتمايل ، وعلى ثغرها ابتسامة مغرية .. ثم تميل عليه ، وتأخذ منه النقود بفمها ، وتبتعد عنه لتقترب منه ، وتدور فى السامر كله ، وعينها لا تتحول عنه .. وكنت أشاهد هذا بعينين سادرتين .. وكانت تمر أمامى ، ولا تكاد تتوقف ، ولا تكاد تحس بوجودى .. فكان الغيظ يدفعنى إلى أن أحمل على السامر ومن فيه ، وأحطم كل شىء تحطيما ..
وانفض السامر ، ومشيت إلى البيت مخذولا كسير القلب .
***
وابتدأ لعب العصا فى اليوم التالى .. وكان عباس يلاعبنى ، وصورة الأمس لا تزال فى مخيلتى .. كنت أتمثلها وهى تدور به ، وتتثنى حوله ، وتكاد ترتمى بين ذراعيه أمام الناس .. !
دار بالعصا فى الحلقة ، وعيناى لا تفلتانه ، ولوح كل منا بعصاه .. ووضعها على الأرض .. ودار .. ودرت .. وتقدم .. وتقدمت .. وتشابكت العصوان .. وضربنى ضربتين تحت إبطى .. وشعرت بالذلة .. وكان الغضب ، وما حدث فى اليوم السابق قد أعميا باصرتى فلم يكن لعبى إلا لغوا .. وفقدت كل قدرة على التوجيه .. وكنت لا أرى إلا صورة الأمس ..
صورة تلك المرأة الملعونة التى ستذهب بشبابى .. ورأيت ذراعيه تلوحان بالعصا .. ولم تكونا فى نظرى تلوحان بالعصا .. بل كانتا تدوران حول ناعسة .. ولا شىء غير هذا .. !
ودار وضربنى ضربة قوية .. وضج السامر .. فضربته ضربتين ولكنه تلقاهما على عصاه .. فزادنى ذلك غيظًا .. وخرجت عن طوقى .. وكان محتفظًا بحواسه كلها .. وضربنى ضربة أخرى نزلت تحت ابطى .. واحمرت عيناى .. وتراجعت إلى الوراء وضربت بكل قوتى .. ضربة واحدة .. حطت على صدغه .. وسقط .. واستولى الذهول على الناس .. وانقطع صوت المزمار .. !
***
ووضعوا الحديد فى يدى ، وساقونى وحولى نطاق من الجند إلى المركز ..
وسرنا على جسر القرية الطويل ، مع الشمس الغاربة ، فى سكون وصمت .. ولمحت ناعسة عن بعد نازلة إلى الطريق ، وسائرة إلى النيل تتهادى على مهل ، وعلى رأسها جرتها .. كانت تمشى الهوينى كعادتها فى سكون وهدوء ظاهرين ، كأن لم يحدث شىء .. !
إنها المرأة .. إنها الحياة الماضية فى طريقها لا تعبأ بشىء مما يجرى من أحداث ..
================================
نشرت القصة فى مجموعة " الذئاب الجائعة " لمحمود البدوى سنة 1944 وأعيد نشرها فى مجموعة " قصص من الصعيد " من اعداد وتقديم على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر 2002
================================